الجاحظ

271

رسائل الجاحظ

وكان يجوز دعوى أهل الكتاب على التوراة والإنجيل والزبور ، وكتب الأنبياء صلوات اللّه عليهم في قولهم : إن اللّه قال : « إسرائيل بكري » . أي هو أول من تبنيت من خلقي . وأنه قال : « إسرائيل بكري ، وبنوه أولادي » . وأنه قال لداود : « سيولد لك غلام ، ويسمى لي ابنا ، وأسمى له أبا » . وأن المسيح قال في الإنجيل : « أنا أذهب إلى أبي وأبيكم ، وإلهي وإلهكم » ، وأن المسيح أمر الحواريين أن يقولوا في صلواتهم : « يا أبانا في السماء ، تقدس أسمك » . في أمور عجيبة ، ومذاهب شنيعة ، يدل على سوء عبادة اليهود ، وسوء تأويل أصحاب الكتب ، وجهلهم مجازات الكلام ، وتصاريف اللغات ، ونقل لغة إلى لغة ، وما يجوز على اللّه ، وما لا يجوز . وسبب هذا التأويل كله العي والتقليد ، واعتقاد التشبيه . وكان يقول : إنما وضعت الأسماء على أقدار المصلحة ، وعلى قدر ما يقابل من طبائع الأمم . فربما كان أصلح الأمور وأمتنها أن يتبناه اللّه أو يتخذه خليلا ، أو يخاطبه بلا ترجمان ، أو يخلقه من غير ذكر ، أو يخرجه من بين عاقر وعقيم . وربما كانت المصلحة غير ذلك كله . وكما تعبدنا أن نسميه جوادا ونهانا أن نسميه سخيا أو سريا وأمرنا أن نسميه مؤمنا ونهانا أن نسميه مسلما ، وأمرنا أن نسميه رحيما ونهانا نسميه رفيقا . وقياس هذا كله واحد ، وإنما يتسع ويسهل على قدر العادة وكثرتها . ولعل ذلك كله قد كان شائعا في دين هود وصالح وشعيب وإسماعيل ، إذ كان شائعا في كلام العرب في إثبات ذلك وإنكاره . وأما نحن - رحمك اللّه - فإنا لا نجيز أن يكون للّه ولد ، لا من جهة الولادة ، ولا من جهة التبني ، ونرى أن تجويز ذلك جهل عظيم ، وإثم كبير ، لأنه لو جاز أن يكون أبا ليعقوب لجاز أن يكون جدا ليوسف ، ولو جاز أن يكون جدا وأبا ، وكان ذلك لا يوجب نسبا ، ولا يوهم مشاكلة في بعض الوجوه ، ولا ينقص من عظم ، ولا يحط من بهاء ، لجاز أيضا أن يكون عما وخالا ، لأنه إن جاز أن